وَ کانَ مِنْ دُعَائِهِ عليه السلام بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ صَلَاةِ اللَّيلِ لِنَفْسِهِ فِي الِاعْتِرَافِ بِالذَّنْبِ
اللَّهُمَّ يا ذَا الْمُلْک الْمُتَأَبِّدِ بِالْخُلُودِ
وَ السُّلْطَانِ الْمُمْتَنِعِ بِغَيرِ جُنُودٍ وَ لَا أَعْوَانٍ.
وَ الْعِزِّ الْبَاقِي عَلَي مَرِّ الدُّهُورِ وَ خَوَالِي الْأَعْوَامِ وَ مَوَاضِي الْأَزمَانِ وَ الْأَيامِ
عَزَّ سُلْطَانُک عِزّاً لَا حَدَّ لَهُ بِأَوَّلِيةٍ، وَ لَا مُنْتَهَي لَهُ بِآخِرِيةٍ
وَ اسْتَعْلَي مُلْکک عَلُوّاً سَقَطَتِ الْأَشْياءُ دُونَ بُلُوغِ أَمَدِهِ
وَ لَا يبْلُغُ أَدْنَي مَا اسْتَأْثَرْتَ بِهِ مِنْ ذَلِک أَقْصَي نَعْتِ النَّاعِتِينَ.
ضَلَّتْ فِيک الصِّفَاتُ، وَ تَفَسَّخَتْ دُونَک النُّعُوتُ، وَ حَارَتْ فِي کبْرِيائِک لَطَائِفُ الْأَوْهَامِ
کذَلِک أَنْتَ اللَّهُ الْأَوَّلُ فِي أَوَّلِيتِک، وَ عَلَي ذَلِک أَنْتَ دَائِمٌ لَا تَزُولُ
وَ أَنَا الْعَبْدُ الضَّعِيفُ عَمَلًا، الْجَسِيمُ أَمَلًا، خَرَجَتْ مِنْ يدِي أَسْبَابُ الْوُصُلَاتِ إِلَّا مَا وَصَلَهُ رَحْمَتُک، وَ تَقَطَّعَتْ عَنِّي عِصَمُ الْآمَالِ إِلَّا مَا أَنَا مُعْتَصِمٌ بِهِ مِنْ عَفْوِک
قَلَّ عِنْدِي مَا أَعْتَدُّ بِهِ مِنْ طَاعَتِک، و کثُرَ عَلَي مَا أَبُوءُ بِهِ مِنْ مَعْصِيتِک وَ لَنْ يضِيقَ عَلَيک عَفْوٌ عَنْ عَبْدِک وَ إِنْ أَسَاءَ، فَاعْفُ عَنِّي.
اللَّهُمَّ وَ قَدْ أَشْرَفَ عَلَي خَفَايا الْأَعْمَالِ عِلْمُک، وَ انْکشَفَ کلُّ مَسْتُورٍ دُونَ خُبْرِک، وَ لَا تَنْطَوِي عَنْک دَقَائِقُ الْأُمُورِ، وَ لَا تَعْزُبُ عَنْک غَيبَاتُ السَّرَائِرِ
وَ قَدِ اسْتَحْوَذَ عَلَي عَدُوُّک الَّذِي اسْتَنْظَرَک لِغَوَايتِي فَأَنْظَرْتَهُ، وَ اسْتَمْهَلَک إِلَي يوْمِ الدِّينِ لِإِضْلَالِي فَأَمْهَلْتَهُ.
فَأَوْقَعَنِي وَ قَدْ هَرَبْتُ إِلَيک مِنْ صَغَائِرِ ذُنُوبٍ مُوبِقَةٍ، وَ کبَائِرِ أَعْمَالٍ مُرْدِيةٍ حَتَّي إِذَا قَارَفْتُ مَعْصِيتَک، وَ اسْتَوْجَبْتُ بِسُوءِ سَعْيي سَخْطَتَک،
فَتَلَ عَنِّي عِذَارَ غَدْرِهِ، وَ تَلَقَّانِي بِکلِمَةِ کفْرِهِ، وَ تَوَلَّي الْبَرَاءَةَ مِنِّي، وَ أَدْبَرَ مُوَلِّياً عَنِّي، فَأَصْحَرَنِي لِغَضَبِک فَرِيداً، وَ أَخْرَجَنِي إِلَي فِنَاءِ نَقِمَتِک طَرِيداً.
لَا شَفِيعٌ يشْفَعُ لِي إِلَيک، وَ لَا خَفِيرٌ يؤْمِنُنِي عَلَيک، وَ لَا حِصْنٌ يحْجُبُنِي عَنْک، وَ لَا مَلَاذٌ أَلْجَأُ إِلَيهِ مِنْک.
فَهَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِک، وَ مَحَلُّ الْمُعْتَرِفِ لَک، فَلَا يضِيقَنَّ عَنِّي فَضْلُک، وَ لَا يقْصُرَنَّ دُونِي عَفْوُک، وَ لَا أَکنْ أَخْيبَ عِبَادِک التَّائِبِينَ، وَ لَا أَقْنَطَ وُفُودِک الْآمِلِينَ، وَ اغْفِرْ لِي، إِنَّک خَيرُ الْغَافِرِينَ.
اللَّهُمَّ إِنَّک أَمَرْتَنِي فَتَرَکتُ، وَ نَهَيتَنِي فَرَکبْتُ، وَ سَوَّلَ لِي الْخَطَاءَ خَاطِرُ السُّوءِ فَفَرَّطْتُ.
وَ لَا أَسْتَشْهِدُ عَلَي صِيامِي نَهَاراً، وَ لَا أَسْتَجِيرُ بِتَهَجُّدِي لَيلًا، وَ لَا تُثْنِي عَلَي بِإِحْيائِهَا سُنَّةٌ حَاشَا فُرُوضِک الَّتِي مَنْ ضَيعَهَا هَلَک.
وَ لَسْتُ أَتَوَسَّلُ إِلَيک بِفَضْلِ نَافِلَةٍ مَعَ کثِيرِ مَا أَغْفَلْتُ مِنْ وَظَائِفِ فُرُوضِک، وَ تَعَدَّيتُ عَنْ مَقَامَاتِ حُدُودِک إِلَي حُرُمَاتٍ انْتَهَکتُهَا، وَ کبَائِرِ ذُنُوبٍ اجْتَرَحْتُهَا، کانَتْ عَافِيتُک لِي مِنْ فَضَائِحِهَا سِتْراً.
وَ هَذَا مَقَامُ مَنِ اسْتَحْيا لِنَفْسِهِ مِنْک، وَ سَخِطَ عَلَيهَا، وَ رَضِي عَنْک، فَتَلَقَّاک بِنَفْسٍ خَاشِعَةٍ، وَ رَقَبَةٍ خَاضِعَةٍ، وَ ظَهْرٍ مُثْقَلٍ مِنَ الْخَطَايا وَاقِفاً بَينَ الرَّغْبَةِ إِلَيک وَ الرَّهْبَةِ مِنْک.
وَ أَنْتَ أَوْلَي مَنْ رَجَاهُ، وَ أَحَقُّ مَنْ خَشِيهُ وَ اتَّقَاهُ، فَأَعْطِنِي يا رَبِّ مَا رَجَوْتُ، وَ آمِنِّي مَا حَذِرْتُ، وَ عُدْ عَلَي بِعَائِدَةِ رَحْمَتِک، إِنَّک أَکرَمُ الْمَسْئُولِينَ.
اللَّهُمَّ وَ إِذْ سَتَرْتَنِي بِعَفْوِک، وَ تَغَمَّدْتَنِي بِفَضْلِک فِي دار الْفَنَاءِ بِحَضْرَةِ الْأَکفَاءِ،
فَأَجِرْنِي مِنْ فَضِيحَاتِ دار الْبَقَاءِ عِنْدَ مَوَاقِفِ الْأَشْهَادِ مِنَ الْمَلَائِکةِ الْمُقَرَّبِينَ، وَ الرُّسُلِ الْمُکرَّمِينَ، وَ الشُّهَدَاءِ وَ الصَّالِحِينَ، مِنْ جَارٍ کنْتُ أُکاتِمُهُ سَيئَاتِي، وَ مِنْ ذِي رَحِمٍ کنْتُ أَحْتَشِمُ مِنْهُ فِي سَرِيرَاتِي.
لَمْ أَثِقْ بِهِمْ رَبِّ فِي السِّتْرِ عَلَي، وَ وَثِقْتُ بِک رَبِّ فِي الْمَغْفِرَةِ لِي، وَ أَنْتَ أَوْلَي مَنْ وُثِقَ بِهِ، وَ أَعْطَي مَنْ رُغِبَ إِلَيهِ، وَ أَرْأَفُ مَنِ اسْتُرْحِمَ، فَارْحَمْنِي.
اللَّهُمَّ وَ أَنْتَ حَدَرْتَنِي مَاءً مَهِيناً مِنْ صُلْبٍ مُتَضَايقِ الْعِظَامِ، حَرِجِ الْمَسَالِک إِلَي رَحِمٍ ضَيقَةٍ سَتَرْتَهَا بِالْحُجُبِ، تُصَرِّفُنِي حَالًا عَنْ حَالٍ حَتَّي انْتَهَيتَ بي إِلَي تَمَامِ الصُّورَةِ، وَ أَثْبَتَّ فِي الْجَوَارِحَ
کمَا نَعَتَّ فِي کتَابِک: نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً ثُمَّ عَظْماً ثُمَّ کسَوْتَ الْعِظَامَ لَحْماً، ثُمَّ أَنْشَأْتَنِي «خَلْقاً آخَر»َ کمَا شِئْتَ.
حَتَّي إِذَا احْتَجْتُ إِلَي رِزْقِک، وَ لَمْ أَسْتَغْنِ عَنْ غِياثِ فَضْلِک، جَعَلْتَ لِي قُوتاً مِنْ فَضْلِ طَعَامٍ وَ شَرَابٍ أَجْرَيتَهُ لِأَمَتِک الَّتِي أَسْکنْتَنِي جَوْفَهَا، وَ أَوْدَعْتَنِي قَرَارَ رَحِمِهَا.
وَ لَوْ تَکلُنِي يا رَبِّ فِي تِلْک الْحَالاتِ إِلَي حَوْلِي، أَوْ تَضْطَرُّنِي إِلَي قُوَّتِي لَکانَ الْحَوْلُ عَنِّي مُعْتَزِلًا، وَ لَکانَتِ الْقُوَّةُ مِنِّي بَعِيدَةً.
فَغَذَوْتَنِي بِفَضْلِک غِذَاءَ الْبَرِّ اللَّطِيفِ، تَفْعَلُ ذَلِک بي تَطَوُّلًا عَلَي إِلَي غَايتِي هَذِهِ، لَا أَعْدَمُ بِرَّک، وَ لَا يبْطِئُ بي حُسْنُ صَنِيعِک، وَ لَا تَتَأَکدُ مَعَ ذَلِک ثِقَتِي فَأَتَفَرَّغَ لِمَا هُوَ أَحْظَي لِي عِنْدَک.
قَدْ مَلَک الشَّيطَانُ عِنَانِي فِي سُوءِ الظَّنِّ وَ ضَعْفِ الْيقِينِ، فَأَنَا أَشْکو سُوءَ مُجَاوَرَتِهِ لِي، وَ طَاعَةَ نَفْسِي لَهُ، وَ أَسْتَعْصِمُک مِنْ مَلَکتِهِ، وَ أَتَضَرَّعُ إِلَيک فِي صَرْفِ کيدِهِ عَنِّي.
وَ أَسْأَلُک فِي أَنْ تُسَهِّلَ إِلَي رِزْقِي سَبِيلًا، فَلَک الْحَمْدُ عَلَي ابْتِدَائِک بِالنِّعَمِ الْجِسَامِ، وَ إِلْهَامِک الشُّکرَ عَلَي الْإِحْسَانِ وَ الْإِنْعَامِ،
فَصَلِّ عَلَي مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ، وَ سَهِّلْ عَلَي رِزْقِي، وَ أَنْ تُقَنِّعَنِي بِتَقْدِيرِک لِي، وَ أَنْ تُرْضِينِي بِحِصَّتِي فِيمَا قَسَمْتَ لِي، وَ أَنْ تَجْعَلَ مَا ذَهَبَ مِنْ جِسْمِي وَ عُمُرِي فِي سَبِيلِ طَاعَتِک، إِنَّک خَيرُ الرَّازِقِينَ.
اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِک مِنْ نَارٍ تَغَلَّظْتَ بِهَا عَلَي مَنْ عَصَاک، وَ تَوَعَّدْتَ بِهَا مَنْ صَدَفَ عَنْ رِضَاک، وَ مِنْ نَارٍ نُورُهَا ظُلْمَةٌ، وَ هَينُهَا أَلِيمٌ، وَ بَعِيدُهَا قَرِيبٌ، وَ مِنْ نَارٍ يأْکلُ بَعْضَهَا بَعْضٌ، وَ يصُولُ بَعْضُهَا عَلَي بَعْضٍ.
وَ مِنْ نَارٍ تَذَرُ الْعِظَامَ رَمِيماً، وَ تَسقِي أَهْلَهَا حَمِيماً، وَ مِنْ نَارٍ لَا تُبْقِي عَلَي مَنْ تَضَرَّعَ إِلَيهَا، وَ لَا تَرْحَمُ مَنِ اسْتَعْطَفَهَا،
وَ لَا تَقْدِرُ عَلَي التَّخْفِيفِ عَمَّنْ خَشَعَ لَهَا وَ اسْتَسْلَمَ إِلَيهَا تَلْقَي سُکانَهَا بِأَحَرِّ مَا لَدَيهَا مِنْ أَلِيمِ النَّکالِ وَ شَدِيدِ الْوَبَالِ
وَ أَعُوذُ بِک مِنْ عَقَارِبِهَا الْفَاغِرَةِ أَفْوَاهُهَا، وَ حَياتِهَا الصَّالِقَةِ بِأَنْيابِهَا، وَ شَرَابِهَا الَّذِي يقَطِّعُ أَمْعَاءَ وَ أَفْئِدَةَ سُکانِهَا، وَ ينْزِعُ قُلُوبَهُمْ، وَ أَسْتَهْدِيک لِمَا بَاعَدَ مِنْهَا، وَ أَخَّرَ عَنْهَا.
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَي مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ، وَ أَجِرْنِي مِنْهَا بِفَضْلِ رَحْمَتِک، وَ أَقِلْنِي عَثَرَاتِي بِحُسْنِ إِقَالَتِک، وَ لَا تَخْذُلْنِي يا خَيرَ الْمُجِيرِينَ
اللَّهُمَّ إِنَّک تَقِي الْکرِيهَةَ، وَ تُعْطِي الْحَسَنَةَ، وَ تَفْعَلُ مَا تُرِيدُ، وَ أَنْتَ عَلَي کلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَي مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ، إِذَا ذُکرَ الْأَبْرَارُ، وَ صَلِّ عَلَي مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ، مَا اخْتَلَفَ اللَّيلُ وَ النَّهَارُ، صَلَاةً لَا ينْقَطِعُ مَدَدُهَا، وَ لَا يحْصَي عَدَدُهَا، صَلَاةً تَشْحَنُ الْهَوَاءَ، وَ تَمْلَأُ الْأَرْضَ وَ السَّمَاءَ.
صَلَّي اللَّهُ عَلَيهِ حَتَّي يرْضَي، وَ صَلَّي اللَّهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ بَعْدَ الرِّضَا، صَلَاةً لَا حَدَّ لَهَا وَ لَا مُنْتَهَي، يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.