دانستنیهای نهج البلاغه صفحه 954

صفحه 954

-185

و من خطبه له عَلَیْهِ السَّلامُ: (یحمدالله فیها ویثنی علی رسوله ویصف خلقاً من الحیوان) (حمد الله تعالی) الْحَمْدُ لله الَّذِی لاَ تُدْرِکُهُ الشَّوَاهِدُ، وَلاَ تَحْوِیهِ الْمَشَاهِدُ، وَلاَ تَرَاهُ النَّوَاظِرُ، وَلاَ تَحْجُبُهُ السَّوَاتِرُ، الدَّالِّ عَلَی قِدَمِهِ بِحُدُوثِ خَلْقِهِ، وَبِحُدُوثِ خَلْقِهِ عَلَی وجُودِهِ، وَبِاشْتِبَاهِهِمْ عَلَی أَنْ لاَ شَبَهَ لَهُ، الَّذِی صَدَقَ فِی مِیعَادِهِ، وَارْتَفَعَ عَنْ ظُلْمِ عِبَادِه، وَقَامَ بِالْقِسطِ فِی خَلْقِهِ، وَعَدَلَ عَلَیْهِمْ فِی حُکْمِهِ، مُسْتَشْهِدٌ بِحُدُوثِ الاََْشْیَاءِ عَلَی أَزَلِیَّتِهِ، وَبِمَا وَسَمَهَا بِهِ مِنَ الْعَجْزِ عَلَی قُدْرَتِهِ، وَبِمَا اضْطَرَّهَا إِلَیْهِ مِنَ الْفَنَاءِ عَلَی دَوَامِهِ، وَاحِدٌ لاَ بِعَدَدٍ وَدَائِمٌ لاَ بِأَمَدٍ، وَقَائِمٌ لاَ بَعَمَدٍ، تَتَلَقَّاهُ الاََْذْهَانُ لاَ بِمُشَاعَرَهٍ وَتَشْهَدُ لَهُ الْمَرَائِی لاَ بِمُحَاضَرَهٍ، لَمْ تُحِطْ بِهِ الاََْوْهَامُ، بَلْ تَجَلَّی لَهَا بِهَا، وَبِهَا امْتَنَعَ مِنهَا، وَإِلَیْهَا حَاکَمَهَا، لَیْسَ بِذِی کِبَرٍ امْتَدَّتْ بِهِ النِّهَایَاتُ فَکَبَّرَتْهُ تَجْسِیماً، وَلاَ بِذِی عِظَمٍ تَنَاهَتْ بِهِ الْغَایَاتُ فَعَظَّمَتْهُ تَجْسِیداً بَلْ کَبُرَ شَأْناً، وَعَظُمَ سُلْطَاناً. (الرسول الاَعظم) وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ الصَّفِیُّ، وَأَمِینُهُ الرَّضِیُّ أَرْسَلَهُ بِوُجُوبِ الْحُجَجِ، وَظُهُورِ الْفَلَجِ وَإِیضَاحِ الْمَنْهَجِ، فَبَلَّغُ الرِّسَالَهَ صَادِعاًبِهَا، وَحَمَلَ عَلَی الْمَحَجَّهِ دالاًّ عَلَیْهَا، وَأَقَامَ أَعْلاَمَ الاِْهْتِدَاءِ وَمَنَارَ الضِّیَاءِ، وَجَعَلَ أَمْرَاسَ الاِِْسْلاَمِ مَتِینَهً، وَعُرَا الاِِْیمَانِ وَثِیقَهً. منها: فی صفه عجیب خلق أصناف من الحیوان وَلَوْ فَکَّروا فِی عَظِیمِ الْقُدْرَهِ، وَجَسِیمِ النِّعْمَهِ، لَرَجَعُوا إِلَی الطَّرِیقِ، وَخَافُوا عَذَابَ الْحَرِیقِ، وَلکِنَّ الْقُلُوبَ عَلِیلَهٌ، وَالاََبْصَارَ مَدْخُولَهٌ! ألاَ تَنْظُرُونَ إِلَی صَغِیرِ مَا خَلَقَ اللهُ، کَیْفَ أَحْکَمَ

خَلْقَهُ، وَأَتْقَنَ تَرْکِیبَهُ، وَفَلَقَ لَهُ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ، وَسَوَّی لَهُ الْعَظْمَ وَالْبَشَرَ. انْظُرُوا إِلَی الَّنمْلَهِ فِی صِغَرِ جُثَّتِهَا، وَلَطَافَهِ هَیْئَتِهَا، لاَ تَکَادُ تُنَالُ بِلَحْظِ الْبَصَرِ، وَلاَ بِمُسْتَدْرَکِ الْفِکَرِ، کَیْفَ دَبَّتْ عَلَی أَرْضِهَا، وَصَبَتْ عَلَی رِزْقِهَا، تَنْقُلُ الْحَبَّهَ إِلَی جُحْرِهَا، وَتُعِدُّهَا فِی مُسْتَقَرِّهَا. تَجْمَعُ فِی حَرِّهَا لِبَرْدِهَا، وَفِی وِرْدِهَا لِصَدَرِهَا مَکْفُولٌ بِرِزْقِهَا، مَرْزُوقَهٌ بِوِفْقِهَا لاَ یُغْفِلُهَا الْمَنَّانُ، وَلاَ یَحْرِمُهَا الدَّیَّانُ، وَلَوْ فِی الصَّفَا الْیَابِسِ، وَالْحَجَرِ الْجَامِسِ! وَلَوْ فَکَّرْتَ فِی مَجَارِی أُکْلِهَا، وَفِی عُلْوهَا وَسُفْلِهَا، وَمَا فِی الجَوْفِ مِنْ شَرَاسِیفِ بَطْنِهَا، وَمَا فِی الرَّأسِ مِنْ عَیْنِهَا وَأُذُنِهَا، لَقَضَیْتَ مِنْ خَلْقِهَا عَجَباً، وَلَقِیتَ مِنْ وَصْفِهَا تَعَباً! فَتَعَالَی الَّذِی أَقَامَهَا عَلَی قَوَائِمِهَا، وَبَنَاهَا عَلَی دَعَائِمِهَا! لَمْ یَشْرَکْهُ فِی فِطْرَتِهَا فَاطِرٌ، وَلَمْ یُعِنْهُ عَلَی خَلْقِهَا قَادِرٌ. وَلَوْ ضَرَبْتَ فِی مَذَاهِبِ فِکْرِکَ لِتَبْلُغَ غَایَاتِهِ، مَا دَلَّتْکَ الدَّلاَلَهُ إِلاَّ عَلَی أَنَّ فَاطِرَ الَّنمْلَهِ هُوَ فَاطِرُ النَّخْلَهِ لِدَقِیقِ تَفْصِیلِ کُلِّ شَیْءٍ، وَغَامِضِ اخْتِلاَفِ کُلِّ حَیٍّ، وَمَا الْجَلِیلُ وَاللَّطِیفُ، وَالثَّقِیلُ والخَفِیفُ، وَالْقَوِیُّ وَالضَّعِیفُ، فِی خَلْقِهِ إِلاَّ سَوَاءٌ. (خلقه السماء والکون) وَکَذلِکَ السَّماءُ وَالْهَوَاءُ، وَالرِّیَاحُ وَالْمَاءُ. فَانْظُرْ إِلَی الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، وَالنَّبَاتِ وَالشَّجَرِ، وَالْمَاءِ وَالْحَجَرِ، وَاخْتِلاَفِ هذَا اللَّیْلِ وَالنَّهَارِ، وَتَفَجُّرِ هذِهِ الْبِحَارِ، وَکَثْرَهِ هذِهِ الْجِبَالِ، وَطُولِ هذِهِ الْقِلاَلِّ، وَتَفَرُّقِ هذِهِ اللُّغَاتِ، وَالاََْلْسُنِ الْمُخْتَلِفَاتِ. فَالوَیْلُ لِمَنْ جَحَدَ الْمُقَدِّرَ، وَأَنْکَرَ الْمُدَبِّرَ! زَعَمُوا أَنَّهُمْ کَالنَّبَاتِ مَا لَهُمْ زَارعٌ، وَلاَ لاِخْتِلاَفِ صُوَرِهِمْ صَانِعٌ، وَلَمْ یَلْجَأُ واإِلَی حُجَّهٍ فِیَما ادَّعَوا، وَلاَ تَحْقِیقٍ لِمَا أَوْعَوْا وَهَلْ یَکُونُ بِنَاءٌ مِنْ غَیْرِ بَانٍ، أَوْ جِنَایَهٌ مِن غَیْرِ جَانٍ؟! (خلقه الجراده) وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ فِی الْجَرَادَهِ، إِذْ خَلَقَ لَهَا عَیْنَیْنِ حَمْرَ اوَیْنِ، وَأَسْرَجَ لَهَا حَدَقَتَیْنِ قَمْرَاوَیْنِ وَجَعَلَ لَهَا السَّمْعَ الْخَفِیَّ، وَفَتَحَ لَهَا الْفَمَ السَّوِیَّ، وَجَعَلَ لَهَا الْحِسَّ الْقَوِیَّ، وَنَابَیْنِ بِهِمَا تَقْرِضُ، وَمِنْجَلَیْنِ بِهِمَا تَقْبِضُ، یَرْهَبُهَا الزُّرَّاعُ

فِی زَرْعِهمْ، وَلاَ یَسْتَطِیعُونَ ذَبَّهَا وَلَوْ أَجْلَبُوا بِجَمْعِهِم، حَتَّی تَرِدَ الْحَرْثَ فِی نَزَوَاتِهَا وَتَقْضِی مِنْهُ شَهَوَاتِهَا، وَخَلْقُهَا کُلُّهُ لاَ یُکَوِّنُ إِصْبَعاً مُسْتَدِقَّهً. فَتَبَارَکَ اللهُ الَّذِی (یَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِی السَّماوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَکَرْهاً) ، وَیُعَفِّرُ لَهُ خَدّاً وَوَجْهاً، وَیُلْقِی بِالْطَّاعَهِ إلَیْهِ سِلْماً وَضَعْفاً، وَیُعْطِی الْقِیَادَ رَهْبَهً وَخَوْفاً! فَالطَّیْرُ مُسَخَّرَهٌ لاََِمْرِهِ، أَحْصَی عَدَدَ الرِّیشِ مِنْهَا وَالنَّفَسَ، وَأَرْسَی قَوَائِمَهَا عَلَی النَّدَی وَ الْیَبَسِ، قَدَّرَ أَقْوَاتَهَا، وَأَحْصَی أَجْنَاسَهَا، فَهذَا غُرابٌ وَهذَا عُقَابٌ، وَهذَا حَمَامٌ وَهذَا نَعَامٌ، دَعَا کُلَّ طَائِرٍ بَاسْمِهِ، وَکَفَلَ لَهُ بِرِزْقِهِ. وَأَنْشَأَ ، فَأَهْطَلَ دِیَمَهَا وَعَدَّدَ قِسَمَهَا فَبَلَّ الاََْرْضَ بَعْدَ جُفُوفِهَا، وَأَخْرَجَ نَبْتَهَا بَعْدَ جُدُوبِهَا

-186

و من خطبه له عَلَیْهِ السَّلامُ: فی التوحید وتجمع هذه الخطبه من أصول العلوم ما لا تجمعه خطبه مَا وَحَّدَهُ مَنْ کَیَّفَهُ، وَلاَ حَقِیقَتَهُ أَصَابَ مَنْ مَثَّلَهُ، وَلاَ إِیَّاهُ عَنَی مَنْ شَبَّهَهُ، وَلاَ صَمَدَهُ مَنْ أَشَارَ إِلَیْهِ وَتَوَهَّمَهُ. کُلُّ مَعْرُوفٍ بِنَفْسِهِ مَُصْنُوعٌ وَکُلُّ قَائِمٍ فِی سِوَاهُ مَعْلُولٌ. فَاعِلٌ لاَ بِاضْطِرَابِ آلَهٍ، مُقَدِّرٌ لاَ بِجَوْلِ فِکْرَهٍ، غَنِیٌّ لاَ بِاسْتِفَادَهٍ. لاَ تَصْحَبُهُ الاََْوْقَاتُ، وَلاَ تَرْفِدُهُ الاََْدَوَاتُ، سَبَقَ الاََْوْقَاتَ کَوْنُهُ، وَالْعَدَمَ وُجُودُهُ، وَالاِبْتِدَاءَ أَزَلُهُ. بِتَشْعِیرِهِ الْمَشَاعِرَ عُرِفَ أَنْ لاَ مَشْعَرَ لَهُ وَبِمُضَادَّتِهِ بَیْنَ الاَُْمُورِ عُرِفَ أَنْ لاَ ضِدَّ لَهُ، وَبِمُقَارَنَتِهِ بَیْنَ الاََْشْیَاءِ عُرِفَ أَنْ لاَ قَرِینَ لَهُ. ضَادَّ النُّورَ بِالظُّلْمَهِ، وَالْوُضُوحَ بِالْبُهْمَهِ، وَالْجُمُودَ بِالْبَلَلِ، وَالْحَرُورَ بِالصَّرَدِ مُؤَلِّفٌ بَیْنَ مُتَعَادِیَاتِهَا، مُقَارِنٌ بَیْنَ مُتَبَایِنَاتِهَا، مُقَرِّبٌ بَیْنَ مُتَبَاعِداتِهَا، مُفَرِّقٌ بَیْنَ مُتَدَانِیَاتِهَا لاَ یُشْمَلُ بِحَدٍّ، وَلاَ یُحْسَبُ بِعَدٍّ، وَإِنَّمَا تَحُدُّ الاََْدَوَاتُ أَنْفُسَهَا، وَتُشِیرُ الاَْلاَتُ إِلَی نَظَائِرِهَا، مَنَعَتْهَا «مُنْذُ» الْقِدْمَهَ، وَحَمَتْهَا «قَدُ» الاََْزَلِیَّهَ، وَجَنَّبَتْهَا «لَوْلاَ» التَّکْمِلَهَ بِهَا تَجَلَّی صَانِعُهَا لِلْعُقُولِ، وَبِهَا امْتَنَعَ عَنْ نَظَرِ الْعُیُونِ. لاَ یَجْرِی عَلَیْهِ السُّکُونُ وَالْحَرَکَهُ، وَکَیْفَ یَجْرِی عَلَیْهِ مَا هُوَ أَجْرَاهُ، وَیَعُودُ فِیهِ

مَا هُوَ أَبْدَاهُ، وَیَحْدُثُ فِیهِ مَا هُوَ أَحْدَثَهُ ؟! إِذاً لَتَفَاوَتَتْ ذَاتُهُ وَلَتَجَزَّأَ کُنْهُهُ، وَلاَمْتَنَعَ مِنَ الاََْزَلِ مَعْنَاهُ، وَلَکَانَ لَهُ وَرَاءٌ إِذْ وُجِدَ لَهُ أَمَامٌ، وَلاَلْتَمَسَ التََّمامَ إِذْ لَزِمَهُ النُّقْصَانُ. وَإِذاً لَقَامَتْ آیَهُ الْمَصْنُوعِ فِیهِ، وَلَتَحَوَّلَ دَلِیلاً بَعْدَ أَنْ کَانَ مَدْلُولاً عَلَیْهِ، وَخَرَجَ بِسُلْطَانِ الاِْمْتِنَاعِ مِنْ أَنْ یُؤَثِّرَ فِیهِ مَا یُؤثِّرُ فِی غَیْرِهِ. الَّذِی لاَ یَحُولُ وَلاَ یَزُولُ، وَلاَ یَجُوزُ عَلَیْهِ الاَُْفُولُ لَمْ یَلِدْ فَیَکُونَ مَوْلُوداً وَلَمْ یُولَدْ فَیَصِیرَ مَحْدُوداً، جَلَّ عَنِ اتِّخَاذِ الاَْبْنَاءِ، وَطَهُرَ عَنْ مُلاَمَسَهِ النِّسَاءِ. لاَ تَنَالُهُ الاََْوْهَامُ فَتُقَدِّرَهُ، وَلاَ تَتَوَهَّمُهُ الْفِطَنُ فَتُصَوِّرَهُ، وَلاَ تُدْرِکُهُ الْحَوَاسُّ فَتُحِسَّهُ، وَلاَ تَلْمِسُهُ الاََْیْدِی فَتَمَسَّهُ. وَلاَ یَتَغَیَّرُ بِحَالٍ، وَلاَ یَتَبَدَّلُ فِی الاََْحْوَالِ، وَلاَ تُبْلِیهِ اللَّیَالی وَالاََْیَّامُ، وَلاَ یُغَیِّرُهُ الضِّیَاءُ وَالظَّلاَمُ، وَلاَ یُوصَفُ بِشَیءٍ مِنَ الاََْجْزَاءِ وَلاَ بِالجَوَارِحِ وَالاََْعْضَاءِ، وَلاَ بِعَرَضٍ مِنَ الاََْعْرَاضِ، وَلاَ بِالْغَیْرِیَّهِ وَالاََْبْعَاضِ. وَلاَ یُقَالُ: لَهُ حَدٌّ وَلاَ نِهَایَهٌ، وَلاَ انقِطَاعٌ وَلاَ غَایَهٌ، وَلاَ أَنَّ الاََْشْیَاءَ تَحْوِیهِ فَتُقِلَّهُ ف أَوْ تُهْوِیَهُ أَوْ أَنَّ شَیْئاً یَحْمِلُهُ، فَیُمِیلَهُ أَوْ یُعَدِّلَهُ. لَیْسَ فِی الاََْشْیَاءِ بِوَالِجٍ وَلاَ عَنْهَا بِخَارِجٍ. یُخْبِرُ لاَ بِلِسَانٍ وَلَهوَاتٍ وَیَسْمَعُ لاَ بِخُروُقٍ وَأَدَوَاتٍ، یَقُولُ وَلاَ یَلْفِظُ، وَیَحْفَظُ وَلاَ یَتَحَفَّظُ وَیُرِیدُ وَلاَ یُضْمِرُ. یُحِبُّ وَیَرْضَی مِنْ غَیْرِ رِقَّهٍ، وَیُبْغِضُ وَیَغْضَبُ مِنْ غَیْرِ مَشَقَّهٍ. یَقُولُ لِمَا أَرَادَ کَوْنَهُ: (کُنْ فَیَکُونَُ) ، لاَ بِصَوْتٍ یَقْرَعُ، وَلاَ بِنِدَاءٍ یُسْمَعُ، وَإِنَّمَا کَلاَمُهُ سُبْحَانَهُ فِعْلٌ مِنْهُ أَنْشَأَهُ وَمَثَّلَهُ، لَمْ یَکُنْ مِنْ قَبْلِ ذلِکَ کَائِناً، وَلَوْ کَانَ قَدِیماً لَکَانَ إِلهاً ثَانِیاً. لاَ یُقَالُ: کَانَ بَعْدَ أَنْ لَمْ یَکُنْ، فَتَجْرِیَ عَلَیْهِ الصِّفَاتُ الْمُحْدَثَاتُ، وَلاَ یَکُونُ بَیْنَهَا وَبَیْنَهُ فَصْلٌ، وَلاَ لَهُ عَلَیْهَا فَضْلٌ، فَیَسْتَوِیَ الصَّانِعُ والْمَصْنُوعُ، وَیَتَکَافَأَ المُبْتَدَعُ وَالْبَدِیعُ. خَلَقَ الْخَلاَئِقَ عَلَی غَیْرِ مِثَالٍ خَلاَ مِنْ غَیْرِهِ، وَلَمْ یَسْتَعِنْ عَلَی خَلْقِهَا بِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ.

وَأَنْشَأَ الاََْرْضَ فَأَمْسَکَهَا مِنْ غَیْرِ اشْتِغَالٍ، وَأَرْسَاهَا عَلَی غَیْرِ قَرَارٍ، وَأَقَامَهَا بِغَیْرِ قَوَائِمَ، وَرَفَعَهَا بِغَیْرِ دَعائِمَ، وَحَصَّنَهَا مِنَ الاََْوَدَ وَالاِِْعْوِجَاجِ، وَمَنَعَهَا مِنَ التَّهَافُتِ وَالاِنْفِرَاجِ أَرْسَی أَوْتَادَهَا وَضَرَبَ أَسْدَادَهَا وَاسْتَفَاضَ عُیُونَهَا، وَخَدَّ أَوْدِیَتَهَا، فَلَمْ یَهِنْ مَا بَنَاهُ، وَلاَ ضَعُفَ مَا قَوَّاهُ. هُوَ الظّاهِرُ عَلَیْهَا بِسُلْطَانِهِ وَعَظَمَتِهِ، وَهُوَ الْبَاطِنُ لَهَا بِعِلْمِهِ وَمَعْرِفَتِهِ، وَالْعَالی عَلَی کَلِّ شَیْءٍ مِنهَا بِجَلاَلِهِ وَعِزَّتِهِ. لاَ یُعْجِزُهُ شَیْءٌ مِنْهَا طَلَبَهُ، وَلاَ یَمْتَنِعُ عَلَیْهِ فَیَغْلِبَهُ، وَلاَ یَفُوتُهُ السَّرِیعُ مِنْهَا فَیَسْبِقَهُ، وَلاَ یَحْتَاجُ إِلَی ذِی مَالٍ فَیَرْزُقَهُ. خَضَعَتِ الاََْشْیَاءُ لَهُ، وَذَلَّتْ مُسْتَکِینَهً لِعَظَمَتِهِ، لاَ تَسْتَطِیعُ الْهَرَبَ مِنْ سُلْطَانِهِ إِلَی غَیْرِهِ فَتَمْتَنِعَ مِنْ نَفْعِهِ وَضَرِّهِ، وَلاَ کُفؤَ لَهُ فَیُکَافِئَهُ، وَلاَ نَظِیرَ لَهُ فَیُسَاوِیَهُ. هُوَ الْمُفْنِی لَهَا بَعْدَ وُجُودِهَا، حَتَّی یَصِیرَ مَوْجُودُهَا کَمَفْقُودِهَا. وَلَیْسَ فَنَاءُ الدُّنْیَا بَعْدَ ابْتِدَاعِهَا بِأَعْجَبَ مِنْ إنْشَائِهَا وَاخْتِرَاعِهَا، وَکَیفَ وَلَوْ اجْتَمَعَ جَمِیعُ حَیَوانِهَا مِنْ طَیْرِهَا وَبَهَائِمِهَا، ومَا کَانَ مِنْ مُرَاحِهَا وَسَائِمِهَاًّ ، وَأَصْنَافِ أَسْنَاخِهَا وَأَجْنَاسِهَا، وَمُتَبَلِّدَهِ أُمَمِهَا وَأَکْیَاسِهَاعَلَی إِحْدَاثِ بَعُوضَهٍ، مَا قَدَرَتْ عَلَی إِحْدَاثِهَا، وَلاَ عَرَفَتْ کَیْفَ السَّبِیلُ إِلَی إِیجَادِهَا، وَلَتَحَیَّرَتْ عُقُولُهَا فِی عِلْمِ ذلِکَ وَتاهَتْ، وَعَجِزَتْ قُوَاهَا وَتَنَاهَتْ، وَرَجَعَتْ خَاسِئَهًحَسِیرَهً عَارِفَهً بِأَنَّهَا مَقْهُورَهٌ، مُقِرَّهً بِالْعَجْزِ عَنْ إِنْشَائِهَا، مُذْعِنَهً بِالضَّعْفِ عَنْ إفْنَائِهَا؟! وَإِنَّ الَلَّه سُبْحَانَهُ، ، یَعُودُ بَعْدَ فَنَاءِ الدُّنْیَا وَحْدَهُ لاَ شَیْءَ مَعَهُ، کَمَا کَانَ قَبْلَ ابْتِدَائِهَا، کَذلِکَ یَکُونُ بَعْدَ فَنَائِهَا، بِلاَ وَقْتٍ وَلاَ مَکَانٍ، وَلاَ حِینٍ وَلاَ زَمَانٍ، عُدِمَتْ عِنْدَ ذلِکَ الاَْجَالُ وَالاََْوْقَاتُ، وَزَالَتِ السِّنُونَ وَالسَّاعَاتُ، فَلاَ شَیْءَ إِلاَّ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ الَّذِی إِلَیْهِ مَصِیرُ جَمِیعِ الاَُْمُورِ، بِلاَ قُدْرَهٍ مِنْهَا کَانَ ابْتِدَاءُ خَلْقِهَا، وَبِغَیْرِ امْتِنَاعٍ مِنْهَا کَانَ فَنَاؤُهَا، وَلَوْ قَدَرَتْ عَلَی الاِمْتِنَاعِ لَدَامَ بَقَاؤُهَا. لَمْ یَتَکَاءَدْهُ صُنْعُ شَیْءٍ مِنْهَا إِذْ صَنَعَهُ، وَلَمْ یَؤُدْهُ مِنْهَا خَلْقُ مَاخَلَقَهُ وَ بَرَأَهُ ، وَلَمْ یُکَوِّنْهَا لِتَشْدِیدِ

سُلْطَانٍ، وَلاَ لِخَوْفٍ مِنْ زَوَالٍ وَنُقْصَانٍ، وَلاَ لِلاِْ سْتِعَانَهِ بِهَا عَلَی نِدٍّمُکَاثِرٍ وَلاَ لِلاِْحْتِرَازِ بِهَا مِنْ ضِدٍّ مُثَاوِرٍ وَلاَ لِلاِْزْدِیَادِ بِهَا فِی مُلْکِهِ، وَلاَ لِمُکَاثَرَهِ شَرِیکٍ فِی شِرْکِهِ، وَلاَ لِوَحْشَهٍ کَانَتْ مِنْهُ، فَأَرَادَ أَنْ یَسْتَأْنِسَ إِلَیْهَا. ثُمَّ هُوَ یُفْنِیهَا بَعْدَ تَکْوِینِهَا، لاَ لِسَأَمٍ دَخَلَ عَلَیْهِ فِی تَصْرِیفِهَا وَتَدْبِیرِهَا، وَلاَ لِرَاحَهٍ وَاصِلَهٍ إِلَیْهِ، وَلاَ لِثِقَلِ شَیْءٍ مِنْهَا عَلَیْهِ. لاَ یُمِلُّهُ طُولُ بَقَائِهَا فَیَدْعُوَهُ إِلَی سُرْعَهِ إِفْنَائِهَا، لکِنَّهُ سُبْحَانَهُ دَبَّرَهَا بِلُطْفِهِ، وَأمسَکَهَا بِأَمْرِهِ، وَأَتْقَنَهَا بِقُدْرَتِهِ. ثُمَّ یُعِیدُهَا بَعْدَ الْفَنَاءِ مِنْ غَیْرِ حَاجَهٍ مِنْهُ إِلَیْهَا، وَلاَ اسْتِعَانَهٍ بَشَیْءٍ مِنْهَا عَلَیْهَا، وَلاَ لاِنصِرَافٍ مِنْ حَال وَحْشَهٍ إلَی حَالِ اسْتِئْنَاسٍ، وَلاَ مِنْ حَالِ جَهْلٍ وَعَمیً إِلَی (حَالِ عِلْمٍ وَالِْتمَاسٍ، وَلاَ مِنْ فَقْرٍ وَحَاجَهٍ إِلَی غِنیً وَکَثْرَهٍ، وَلاَ مِنْ ذُلٍّ وَضَعَهٍ إِلَی عِزٍّ وَقُدْرَهٍ.

-187

کتابخانه بالقرآن کتابخانه بالقرآن
نرم افزار موبایل کتابخانه

دسترسی آسان به کلیه کتاب ها با قابلیت هایی نظیر کتابخانه شخصی و برنامه ریزی مطالعه کتاب

دانلود نرم افزار کتابخانه