کتابخانه تفاسیر

پایگاه داده های قرآنی اسلامی
کتابخانه بالقرآن

الفرقان فى تفسير القرآن بالقرآن

الجزء الأول

الجزء الثاني و العشرون

الجزء الخامس و العشرون

الجزء السادس و العشرون

الجزء السابع و العشرون

الجزء الثامن و العشرون

رسالة من صاحب تفسير«الميزان» تعريفا بتفسير الفرقان مقدمة

الجزء التاسع و العشرون

الجزء الثلاثون

المقدمة المدخل

الفرقان فى تفسير القرآن بالقرآن


صفحه قبل

الفرقان فى تفسير القرآن بالقرآن، ج‏1، ص: 123

و السبيل هي الطريق المنحدرة المسبّلة للسالكين، فهي أخص من الطريق و أكثر استعمالا في غير الظاهر، و أسهل سلوكا للسالكين، و لكنها- على انحدارها- قد توصل إلى المنزل المقصود بسهولة أو صعوبة و قد لا توصل، فلذلك قد تجمع كما الطريق، فليست واحدة إلّا طريق او سبيل مستقيم:

«وَ أَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَ لا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ» (6: 153) .

فالسبل منها سبل السلام و منها دون ذلك، و الصراط المستقيم إلى الحق سلام و ليس دون ذلك: «يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَ يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَ يَهْدِيهِمْ إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» (5: 116) فسبل السلام هي درجات لا تخلو إلّا واحدة منها من ظلمات يخرجهم اللّه منها فيستخلصون إلى صراط مستقيم ليس فيه أيّ ظلام، مهما كان هو أيضا درجات حسب الدرجات.

فبين نقطة العبودية و الربوبية صراط مستقيم بين سبل السلام، كما هي بين كافة السبل، و من ثم هي ايضا بين كافة الطرق.

خط مستقيم لا عوج له و لا حول عنه، بين سائر الخطوط الملتوية، منحنية او منكسرة، موصلة على عقباتها أم غير موصلة.

و للصراط المستقيم درجات أعلاها صراط الرب ف «إِنَّ رَبِّي عَلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» (11: 56) صراط يخصه لربوبيته، لا شريك له فيه و لا يشرك فيه أحدا، إذا فلسنا نطلبه من ربنا و لا أوّل العابدين، و كما لسنا لنطلب صراط الهدى التكويني، الرحمانية الأولى، فإنها كائنة لزام كل خلق على أية حال! و أين صراط من صراط؟

و أدناها «الصورة الإنسانية التي هي الطريق إلى كل خير، و الجسر

الفرقان فى تفسير القرآن بالقرآن، ج‏1، ص: 124

الممدود بين الجنة و النار» (48) ظرفا صالحا كأصلح ما يكون لتطلّب الصراط المستقيم، و لكنها كائنة لكل إنسان أيا كان، و حتى من انكدرت فطرته و غرب عقله، فهذا يستدعى ربه أن يهديه إلى صورته الإنسانية حتى يهتدي بها إلى صراط مستقيم، و لأن الصورة الإنسانية درجات سبع، من الروح و الفطرة و العقل و الصدر و القلب و اللب و الفؤاد، فالمستدعاة منها- إذا- لكلّ صورة تلو بعض، ليستعدّ السالك براحلته في هذه الرحلة المدرسية العالية، معرفة بربه ثم عبودية، إذ لا عبودية إلّا بعد شي‏ء من المعرفة تجذب إلى عبودية.

و بينهما متوسطات من الصراط، كصراط العبودية: «إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ» (3: 51) و هذا الصراط لزام عشير منذ الأول حتى الأخير، راحلة و وسيلة و غاية، فبإقدام العبودية و المعرفة يحضر العبد محضر الربوبية الذي هو الصراط المستقيم.

و هو اعتصام باللّه: «وَ مَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» (3: 101) فلا عصمة في هذه الرحلة دون اعتصام باللّه إلّا انفصاما عن العروة الوثقى، و لا اعتصام إلا بعصمة المعرفة و العبودية.

كما الاعتصام و الايمان به ذريعة إلى صراط أعلى مستقيم: «فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَ اعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَ فَضْلٍ وَ يَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً» (4: 174) فلا اعتصام إلا بإيمان كما لا إيمان إلا باعتصام بعشيريهما المعرفة و العبودية.

و هذه كلها لا تحصل إلّا على ضوء هدي القرآن: «قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ‏

الفرقان فى تفسير القرآن بالقرآن، ج‏1، ص: 125

نُورٌ وَ كِتابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَ يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَ يَهْدِيهِمْ إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» (5: 116) حيث القرآن أقرب السبل الواضحة المعصومة من اللّه إلى اللّه، يعرّفنا كيف نؤمن باللّه و نعتصم باللّه و نعرف اللّه و نعبد اللّه، مخطّئا كلّ خالجة خارجة عن الحق في هذه الرحلة.

و إلّا على هدي رسول القرآن: «وَ إِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» (42: 52) حيث الرسول كما القرآن بيان من اللّه يبيّن القرآن و يفسره، و في سنته ما لا يتوضّح من القرآن، فهو صراط مستقيم كما القرآن، يهديان إلى صراط مستقيم:

ثم الإسلام المطلق بالعبودية الضافية، و التوحيد بالمعرفة الصافية هما الصراط المستقيم، نتذرّع إليهما بالصورة الإنسانية و بالعبودية و الايمان و الاعتصام باللّه، على ضوء هدي القرآن و نبي القرآن: «فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَ مَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ. وَ هذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ» (6: 126) «قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَ ما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ» (6: 161) فالهدف هنا ليس هو الرسول و القرآن، فإنما هما بما معهما من وسائل زاد للسالك إلى الصراط المستقيم: إسلام التوحيد و توحيد الإسلام، كما و الصورة الإنسانية هي الظرف و الراحلة، و لكلّ درجات حسب درجات السالكين.

فالرسول الهادي إلى صراط مستقيم، و هو على صراط مستقيم، ليس ليتطلّب لنفسه ما هو عليه و يهدي إليه، و إنّما صراطا مستقيما أعلى لنفسه، كما الاستمرار على صراطه المستقيم، ثم و صراطا مستقيما يهدي إليه لمن دونه،

الفرقان فى تفسير القرآن بالقرآن، ج‏1، ص: 126

فهو- إذا- في مثلث الدعاء لمثلث الصراط له و لآخرين، و قد يجمعها «رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَ هَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ» (3: 8) في بعدي التثبيت و الاستزادة، و كما

يروى انه‏ «استرشاد لدينه و اعتصام بحبله و استزادة في المعرفة لربه عز و جل و كبرياءه و عظمته» «1»

و

«أدم لنا توفيقك الذي به أطعناك فيما مضى من أيامنا حتى نطيعك كذلك في مستقبل أعمارنا .. و هو ما قصر عن العلو و ارتفع عن التقصير فاستقام فلم يعدل الى شي‏ء من الباطل» «2»

و

«أرشدنا للزوم الطريق المؤدي الى محبتك و المبلغ دينك و المانع من ان نتبع أهواءنا فنعطب او نأخذ بآرائنا فنهلك» «3» .

كل ذلك يعنيها الرسول في «اهدنا» لغيره تحصيلا لما قصروا عنه و تثبيتا لما حصلوا عليه، و لنفسه تداوما لعصمته و تكاملا لمعرفته.

و نحن أيضا مع الرسول نتطلب لأنفسنا و له و لمن دوننا من هذه السبعة من الصورة الإنسانية- العبودية- الإيمان الاعتصام باللّه- كتاب اللّه- رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) الإسلام للّه و توحيد اللّه، سبعة في قلب السبع المثاني يجمعها «الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ» و لكلّ درجات، كما لكلّ أهل، فلا يستعني عنها ككلّ أي من العالمين و حتى أول العابدين، حيث يطلب لنفسه استدامة ما هو عليه و استكماله، و لآخرين ما ينقصهم من درجات الصراط المستقيم.

(1). تفسير البرهان 1: 51 عن ابن بابويه في الفقيه عن الامام الصادق (عليه السلام).

(2) المصدر عن الامام امير المؤمنين (عليه السلام).

(3) المصدر عن الامام الرضا (عليه السلام).

الفرقان فى تفسير القرآن بالقرآن، ج‏1، ص: 127

و إن كانت هذه السبع بين درجات ثلاث من أصل الصراط المستقيم، كالعبودية الخالصة للّه، و الإسلام له و التوحيد الخالص، و المعرفة به و من الذرايع إليه، و هي إلى الصراط المستقيم، كالإيمان و الاعتصام باللّه و عبوديته على ضوء القرآن بنبي القرآن، و من الظرف الصالح له كالصورة الإنسانية، فإنها راحلة للسالك، فكيف تطرق الطريق دون أيّة راحلة صالحة، و العبودية وسيلة هي أحرى منها غاية، حيث الغاية هي الزلفى و المعرفة، و لكن العبودية هي لزامها على طول الخط، فكلما ازدادت العبودية ازدادت المعرفة و كلما ازدادت المعرفة ازدادت العبودية.

فإسلام التوحيد و توحيد الإسلام بمعرفة و عبودية قمة هي الغاية المقصودة، و غيرها بين ظرف و وسيلة.

فالإسلام التام هو العبودية التامة، و التوحيد التام هو المعرفة التامة.

ف «إِيَّاكَ نَعْبُدُ» يمثّل الأولى الغاية، و «إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ» الثانية الوسيلة، و العبد يمثّل الظرف: الثالثة، بالفطرة و العقلية السليمة حيث تتقبل هذه و تلك.

و لأن النص هنا «اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ» فقد يشمل مثلث الصراط بمسبّعه، به و إليه و إياه، فأكمل بها دعاء و أجمل.

ثم فاعتراف الجمع في «نعبد و نستعين» و الدعاء للجمع في‏ «اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ» ذلك الجمع المثلث هو قاعدة الإيمان الجماعي التي تمثّل جامعية الإسلام و اجتماعيته، حتى و في صلاته حيث تضم ضمن الصلاة للّه صلات بعباد اللّه:

الفرقان فى تفسير القرآن بالقرآن، ج‏1، ص: 128

صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَ لَا الضَّالِّينَ (7) .

و النّعمة- كسرا- هي الحالة الحسنة حسية و روحية، تأتي في سائر القرآن (34) مرة و هي فتحا- حالة رديئة تقليبا لنعمة اللّه كفرا و نعمة: «وَ زُرُوعٍ وَ مَقامٍ كَرِيمٍ. وَ نَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ» (44: 27) «ذَرْنِي وَ الْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَ مَهِّلْهُمْ قَلِيلًا» (73: 11) و هل تصح «سراط من أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم و غير الضالين»؟ كما قرء في الشواذ «1» قطعا لا، لمخالفتها النص المتواتر في القرآن مهما اتحد المعنى أو صح اللفظ و هو لا يصح.

فلأن الصراط قد يكون مستقيما بين نقطتي العبودية و الربوبية، أم غير مستقيم يفرّق بالسالك عن سبيل اللّه او يحرّجه، أم هو بين نقطة العبودية و الشيطنة و هو صراط الجحيم، لذلك يعرّف هنا بإثبات و سلبين، فالإثبات يتكفّل لاستقامته، و السلب الأوّل لما يقابله من صراط الشيطان، و الثاني هو العوان بينهما قضية الضلال، فلا إلى الحق عارفا و لا إلى الضلال عامدا، مذبذبا بين ذلك لا إلى هؤلاء و لا إلى هؤلاء!

(1). في الدر المنثور: 15 بسند عن عمر بن الخطاب أن كان يقرأ: «سراط من أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم و غير الضالين» و عن عبد اللّه بن الزبير مثله إلّا في «سراط» و كما عن عكرمة و الأسود مثله و

في نور الثقلين 1: 24 ج 106 تفسير القمي حدثني أبي عن حماد عن حريز عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) انه قرأ «صراط من أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم و غير الضالين» قال: المغضوب عليهم النصاب و الضالين اليهود و النصارى‏

، و

عنه عن ابن أبي عمير عن ابن أذينة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «غير المغضوب عليهم و غير الضالين».

الفرقان فى تفسير القرآن بالقرآن، ج‏1، ص: 129

فإنما المستدعاة هنا هي صراط المنعم عليهم، دون المغضوب عليهم الذين يعرفون نعمة اللّه ثم ينكرونها: «وَ جَحَدُوا بِها وَ اسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَ عُلُوًّا» (27: 14) يعرفون الحق ثم يحيدون عنه كأنهم لا يعرفون، أو يعرفونه باطلا، و دون الذين ضلوا عن الحق قاصرين او مقصرين فلم يهتدوا إليه.

و لأن الهدى هي الروحية، و الصراط الحق المستقيم هنا هو الموصل إلى حقها و حاقّها، و أن نعم الدنيا تعم المغضوب عليهم و الضالين، إذا ف «أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ» تعني النعمة القمّة الروحية، و لأنها لم تقيّد هنا بقسم دون آخر، فهي مطلق النعم السابغة الروحية.

من الصورة الإنسانية جسرا إلى كل نعمة، و الايمان و الاعتصام باللّه في صحبة العبودية الصالحة، و الإسلام للّه و توحيده على ضوء كتاب الشّرعة و سنة رسولها، و أفضل النماذج السابقة السابغة للمنعم عليهم- على مختلف درجاتهم- هم: النبيون و الصديقون و الشهداء و الصالحون: «فَلا وَ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ... وَ لَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَ أَشَدَّ تَثْبِيتاً. وَ إِذاً لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً. وَ لَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً. وَ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَ الرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَ الصِّدِّيقِينَ وَ الشُّهَداءِ وَ الصَّالِحِينَ وَ حَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً. ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَ كَفى‏ بِاللَّهِ عَلِيماً» (4: 70) .

صفحه بعد